الثلاثاء، 14 يوليو 2026

فكرة (١) من كتاب "الجلاد تحت جلدي"

 "الحقيقة الوجودية الأكثر شيوعًا: ليس بإمكانك أن تكون كل ما يمكنك أن تكونه، ولتتمكن من أن تكون أقصى ما يمكنك أن تكونه في مساحة ما، فعليك أن تتخلى بشجاعة عما يمكنك أن تكونه في سواها أحيانًا".

مررتُ على هذه المقولة عن د. عماد رشاد في كتابه "الجلاد تحت جلدي"، الذي يشعرني أني أقف في مواجهة نفسي أمام مرآة لامعة، حتى تريني الشوائب كما هي.

سوف أترك الكلام المفصل عن الكتاب لوقت آخر، لأني أريد أن أفرغ سيل الأفكار التي عبأتها في رأسي إثر قراءتي للمقولة أعلاه.

لطالما أرهقني التفكير بما عليّ فعله في حياتي حتى أؤدي التكليف الذي خلقني الله لأجله، بالرغم من خلوّ حياتي من أوقات فراغ. لا أدري والله ما الذي دفعني لوضع نفسي في مقام العليين حتى أظل في حالة بحث دائم عن لحظة يوريكا الخاصة بي. في الواقع، أنا أحلم بها أكثر من الطريق المؤدي إليها. أريد أن أعيش شعور البطل الذي تنقشع عن حياته غيوم التردد والشك، ويظهر ذلك النور المصاحب لموسيقى الاكتشاف العظيم. لدرجة أني كلما أقدمت على فعل ما، تخيلت ما سيحدث في النهاية وأنا ما زلت على الأعتاب فقط!

ثم بدأت بمطالعة هذا الكتاب المذهل.

كيف يمكن لل A student أن تقتنع بأن المثالية وهوس الكمالية هما أسوأ ما قد يحدث للفرد؟ أن تمضي حياتك بأكملها تتلذذ بالتصفيق الحار على الإنجازات والسلوكيات وكل ما من شأنه أن يزرع الإعجاب في عيون من حولك، مع كل الآثار الجانبية المصاحبة، من اكتئاب وجلد للذات المسكينة، ثم يفاجئك أحدهم بأن أقصى ما يميزك هو المدمر الأهم في حياتك.

في وقت ما، أردت أن أتفوق في دراستي الجامعية، وأشارك في الفعاليات الثقافية من نوادي الكتابة والقراءة والمحاضرات المختلفة، وأتقن لغات أجنبية عدة، وأهتم بصحتي الجسدية، وأتابع الدراسات الدينية، وأحفظ القرآن الكريم، وأكون ابنةً وأختًا وصديقةً رائعة! أردت كل هذا وحققت الكثير منه.

ثم بدأت العمل بدوام كامل مع الدراسات العليا، وتحضيرات الزواج المرهقة. كنت أوبّخ نفسي بشدة لأنني لم أستطع حينها المحافظة على برنامجي الغني والمتنوع، لدرجة أني كرهت وظيفتي وشعرت أنها تبعدني عن أساسيات الحياة!

أنجبت طفلي الأول، توقفت عن العمل، وتفرغت بشكل كامل للأمومة المثالية.

بعد تسع سنوات من الوقوع في حفرات وظلمات، ونوبات هستيرية عدة، لأني لم أكن قادرة على فعل كل ما أريد، وقعت عيناي على تلك الكلمات.

عليّ أن أمتلك شجاعة التخلي عما يمكنني أن أكونه في الكثير من المساحات، حتى أستطيع الاستمتاع أخيرًا بما لدي الآن، كأمٍ لثلاثة أطفال، مع ظروف شديدة التغير، وزوج كثير السفر والتنقل.
التفتّ إلى التشويه النفسي الذي تصيبنا به مثاليات السوشال ميديا، حينما تعرض لنا مشاهد براقة من حياة البعض المليئة بالمغامرات و تعدد المهام و النجاح بها، في آن واحد، دون ذكر لكل العوامل المساعدة والبيئة المحيطة، التي قد تختلف بشكل شاسع عن تلك التي تخص المشاهدين. إن ذلك من شأنه أن يعزز حالة الشعور بالنقص و الجمود لدى إنسان بمثل حالتي، مما يجعلني من ضحايا الاكتئاب و عدم التصالح مع الذات. 
والآن، بينما أمضي في رحلتي هذه، أحاول أن أربت على كتفي برفق، وأسمح لنفسي بأن تتقبل محدوديتها كإنسان، و أشكرها على المعاناة التي أوقعتها بها مثاليتي المنهكة.

لا أقول إني سأتوقف عن السعي لأفعل ما أحب، لكن كل شيء سيأتي في الوقت المناسب. أما الآن، فإن أقصى ما يمكنني أن أكونه هو عيش الحاضر بكل هدوء، وإكمال هذا الكتاب، لنرى ما سيحدث، أو ما لن يحدث. عادي جدًا.




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

فكرة (١) من كتاب "الجلاد تحت جلدي"

 "الحقيقة الوجودية الأكثر شيوعًا: ليس بإمكانك أن تكون كل ما يمكنك أن تكونه، ولتتمكن من أن تكون أقصى ما يمكنك أن تكونه في مساحة ما، فعلي...